العيني

24

عمدة القاري

يقضي عن الماء التيمم ، فحذف الجار وأوصل الفعل ، والقصد أن التيمم حكمه حكم الوضوء في جواز أداء الفرائض المتعددة به والنوافل ما لم يحدث بأحد الحدثين ، وهو قول أصحابنا ، وبه قال إبراهيم وعطاء وابن المسيب والزهري والليث والحسن بن حيي وداود بن علي ، وهو المنقول عن ابن عباس رضي ا تعالى عنهما . وقال الشافعي : يتيمم لكل صلاة فرض ، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق ، وهو قول قتادة وربيعة ويحيى بن سعيد الأنصاري وشريك والليث وأبي ثور ، وذكره البيهقي عن ابن عمر وابن عباس من طرق ضعيفة ، ومن حديث قتادة عن عمرو بن العاص والحارث عن علي بن أبي طالب رضي ا تعالى عنهم . وعند الحاكم مصححاً من حديث أبي ذر ، وقد طول الكرماني في الاحتجاج للشافعي ومن تبعه في هذا من طريق العقل والنقل يبطله ، ثم إن البخاري ذكر عن الحسن معلقاً ، ووصله ابن أبي شيبة : حدّثنا هشيم عن يونس عن الحسن . قال : ( لا ينقض التيمم إلاَّ الحدث ) ، وحكاه أيضاً عن إبراهيم وعطاء ، ووصله أيضاً عبد الرزاق ، ولفظه : ( يجزئ تيمم واحد ما لم يحدث ) . ووصله أبو منصور أيضاً ، ولفظه : ( التيمم بمنزلة الوضوء ، إذا توضأت فأنت على وضوء حتى تحدث ) . وقال ابن حزم : وروينا عن حماد بن سلمة ، يعني من ( مصنفه ) عن يونس بن عبيد عن الحسن ، قال : ( يصلي الصلوات كلها بتيمم واحد ، مثل الوضوء ، ما لم بحدث ) . وَأَمَّ ابنَ عَبَّاسٍ وهْوَ مُتَيَمِّمٌ . 50 50 هذا التعليق وصله ابن بي شيبة والبيهقي أيضاً بإسناد صحيح . ثم وجه مناسبة هذا للترجمة من حيث إن التيمم وضوء المسلم ، فإذا كان كذلك تجوز إمامة المتيمم للمتوضىء كإمامة المتوضىء ، فدل ذلك على أن التيمم طهارة مطلقة غير ضرورية ، إذ لو كان ضرورياً لكان ضعيفاً ، ولو كان ضعيفاً لما أم ابن عباس وهو متيمم بمن كان متوضئاً ، وهذا مذهب أصحابنا ، وبه قال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور . عن محمد بن الحسن : لا يجوز ، وبه قال الحسن بن حيي ، وكره مالك وعبد ا بن الحسن ذلك ، فإن فعل أجزأه . وقال ربيعة : لا يؤم المتيمم من جنابته إلاَّ من هو مثله ، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري . وقال الأوزاعي : لا يؤمهم إلاَّ إذا كان أميراً ، كذا قاله ابن حزم . وقال أبو طالب : سألت أبا عبد ا عن الجنب يؤم المتوضئين ؟ قال : نعم قد أمَّ ابن عباس أصحابه وفيهم عمار بن ياسر وهو جنب ، فتيمم ، وعمرو بن العاص صلى بأصحابه وهو جنب ، فأخبر النبي فتبسم . قلت : حسان بن عطية سمع من عمرو بن العاص ؟ قال : لا ولكن يقوى بحديث ابن عباس . فإن قلت : قد روي عن جابر مرفوعاً : ( لا يؤم المتيمم المتوضئين ) ، وعن علي بن أبي طالب موقوفاً : ( لا يؤم المتيمم المتوضئين ، ولا المقيد المطلقين ) . قلت : هذان حديثان ضعيفان ، ضعفهما الدارقطني وابن حزم وغيرهما . فإن قلت : ذكر أبو حفص بن شاهين في كتاب الناسخ والمنسوخ من حديث الزهري عن ابن المسيب ، عن عمر بن الخطاب ، مرفوعاً : ( لا يؤم المتيمم المتوضئين ) . قلت : لما ذكره ابن شاهين ذكر بعده حديث عمرو بن العاص ، ثم قال : يحتمل أن يكون هذا الحديث ناسخاً للأول ، وهذا الحديث أجود إسناداً من حديث الزهري ، وإن صح فيحتمل أن يكون النهي في ذلك لضرورة وقعت مع وجود الماء . فإن قلت : يكون هذا رخصه لعمرو إذ لم ينهه ولم يأمره بالإعادة . قلت : لو كان رخصة له دون غيره لم يقل له ؛ أحسنت وضحك في وجهه ، وقال بعضهم : هذه المسألة وافق فيها الكوفيون والجمهور على خلاف ذلك . قلت : هذا عكس القضية ، بل الجمهور على الموافقة ، يقف عليه من يمعن النظر في الكتب . وقال هذا القائل أيضاً : واحتج المصنف لعدم الوجوب بعموم قوله في حديث الباب : ( فإنه يكفيك ) أي : ما لم تحدث أو تجد الماء ، وحمله الجمهور على أعم من ذلك ، أي : لفريضة واحدة وما شئت من النوافل . انتهى . قلت : معنى قوله : ( فإنه يكفيك ) أي : في كل الصلوات فرضها ونفلها ، وهذا هو معنى الأعمية ، وليس في قوله : لفريضة واحدة وما شئت من النوافل معنى الأعمية ، لأن معنى الأعمية في شيء أن يكون شاملا لجميع أفراد ذلك الشيء ، وليس لقوله : لفريضة واحدة ، إفراد . وأما النفل فإنه تبع للفرض ، والتابع ليس له حكم مستقبل بل ، حكمه حكم المتبوع . فافهم . وقالَ يَحْيَى بنُ سعِيدٍ لاَ بأسَ بالصَّلاَةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيمُّمِ بِهَا . يحيى بن سعيد هو الأنصاري ، ومطابقة هذا للترجمة من حيث إن معنى الطيب الطاهر والسبخة طاهرة ، فتدخل تحت الطيب . ويدل عليه ما رواه ابن خزيمة من حديث عائشة رضي ا تعالى عنها ، في شأن الهجرة ، أنه قال : ( أرأيت دار